عبد الفتاح اسماعيل شلبي

357

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

ثم ألا تراه قد نبه إلى خروج الأمر عن معناه الحقيقي إلى التهديد والارغام مما يبرر المخاطبة بالحزن بعد أن نهاك ، عنه ، وحذرك إياه ! ثم ألا تراه - بعد ذلك - كيف استغل الميول الانسانية في الاحتجاج لقراءة مروية ؟ ! ثم اقرأ في نحو ذلك حديثه عن قوله تعالى : « نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا » أي أطفالا ، فبعد أن قرر أصلا لغويا هو أن وقوع الواحد موقع الجماعة فاش في اللغة « قال : » وحسن لفظ الواحد هنا شئ آخر أيضا وذلك أنه موضع إضعاف للعباد ، وإقلال لهم ، فكان لفظ الواحد لقلة أشبه بالموضع من لفظ الجماعة ، لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد فاعرف ذلك « 1 » . وهكذا يمزج ابن جنى في الاحتجاج بين الأصل اللغوي المقرر ، والادراك الفنى المحرر . ( د ) ثم إليك هذا النص الذي أنقله - على طوله - لأن فيه امتاعا ، وابتكارا ، واستهداء بالحس النفسي ، واعتمادا على الذوق الأدبي ، واتكاء في التعليل على طبيعة العربي في التعبير ، وفيه إلى جانب ذلك دماثة ورقة واشباع « 2 » ! قال في الاحتجاج لقراءة يا حسره على العباد ، ويا حسرة العباد : أما يا حسره على العباد بالهاء ساكنة ففيه النظر ، وذلك أن قوله على العباد متعلق بها أو صفة لها ، وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه ووجه ذلك عندي ما أذكره ، ذلك أن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتمدته ولا معتزمة عليه أسرعت فيه ، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه ، وذلك كقوله « قلنا لها قفى لنا قالت قاف » معناه وقفت ، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال ، وتثاقلا عن الإجابة ، واعتماد المقال ، ويكفى في ذلك قول اللّه سبحانه : « لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ » قالوا في تفسيره هو كقولك لا واللّه ، بلى واللّه ! فأين سرعة اللفظ يذكر اسم اللّه تعالى هنا من التثبت فيه ، والاشباع له ، والمماطلة عليه من قول الهذلي : فوالله لا أنسى قتيلا رزيته * بجانب قوسي « 3 » - ما مشيت على الأرض أفلا ترى إلى تطعمك هذه اللفظة في النطق هنا بها ، وتمطيك لاشباع معنى القسم عليها ؟

--> ( 1 ) 1 / 242 - 243 . ( 2 ) هذه هي السمات الظاهرة في ذلك النص وهناك سمات أخرى يشترك فيها مع نصوص تحدثت عنها في مناسبات مختلفة من هذا الفصل . ( 3 ) اسم موضع انظر معجم البلدان لياقوت .